الحرية التي تصورها الناس في أذهانهم اليوم أصبحت تعني الخروج عن المألوف، لا الدفاع عنه، والابتعاد عن الشريعة بدل التقرب منها. أصبحت الحرية عند البعض تعني أن يكون الحرام مباحًا والمباح محرمًا، ومن يعترض فعليه النباح!



قد تظن أنني سأتحدث عن معتقلي الرأي أو سجون الظلم، لكن لا، ليس هذا ما أعنيه الآن. بل أتحدث عن من يرتكب الحرام، وحين يُنصح يردّ: “أنا حر! وُلدت حرًا، أفعل ما أشاء بلا رقيب ولا حسيب، ولا خوف من الله العليم الحليم.”



تمر بسيارتك بسلام، فتجد عن يمينك من يُفسد البشرية، وعن يسارك من يصرخ باسم الحرية، وآخرين يلهثون خلف الشهرة حتى بالحماقة. وترى من يتنكر لطبيعته، وآخرين يعبدون العباد لا رب العباد، مقابل ورقة مختومة وإمضاء معلوم! ثم تسرع لهول المنظر، فتتوقف عند فتيات كنّ مؤمنات، ثم انحرفن في درب الرذيلة، كلهن على خريطة الحرية المزيّفة. فهل هذه هي الحرية الحقيقية؟



جميعنا نريد الحرية، ولكن أي حرية نريد؟ امرأة عمران أرادت لابنها أن يكون محررًا من كل عبودية، فوهبته لله خادمًا في دار العبادة، رغم أنها ولدته أنثى، وهي مريم عليها السلام:



﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 35]



الحرية في نظرها كانت في التعبّد لله والإخلاص له. نعم، التوحيد هو الحرية!



كيف؟ ولماذا؟



التوحيد يحررنا من الداخل، من الشرك والخرافات، من الجهل والهوى وعبودية المال والخوف، يحررنا من كل قيد يعيق الفطرة السليمة. فهو يبدأ بأمر الله لنا: ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، وينتهي بقوله: ﴿ قُل هَل يَستَوِي الَّذينَ يَعلَمونَ وَالَّذينَ لا يَعلَمونَ ﴾ [الزمر: 9].



أما من الخارج، فهو يحررنا من تقديس البشر والخضوع لهم. حتى الأنبياء نهى الإسلام عن تعظيمهم تعظيمًا يخرج عن الحد، فقال النبي ﷺ: “لا تُطرُوني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريمَ، إنما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ اللهِ ورسولُه”. كما حثّ الإسلام على تحرير العبيد، وجعل العتق من أعظم القربات إلى الله.



الحرية الحقيقية أمامك، تراها الآن. لا حرية بلا حشمة وأخلاق وقيم. نعم، وُلدت حرًا، وأنت حرٌّ فيما تشاء، لكنك لن تحقق الحرية الحقيقية إلا إذا وحدت الله، وطبّقتها كما جاء بها التوحيد.



دمتم بخير.